ابن ميثم البحراني
217
شرح نهج البلاغة
في الخطبة الأولى لم يبق تفاوت في أن يستند المخلوقات إلى ذاته أو إلى علمه أو إلى قدرته أو غيرهما . وأمّا بيان أنّ العلم تابع للمعلوم حتّى يمتنع أن يكون سببا له أو متبوعا حتّى لا يمتنع ذلك فممّا حقّق في مظانّه . والمسألة ممّا طال الخبط فيها بينهم ، ويحتمل أن يريد بالإبداع إحكام الأشياء وإتقانها بحيث يكون محلّ التعجّب يقال : هذا فعل بديع ومنظر بديع : أي معجب حسن . فظاهر أنّ ذلك منسوب إلى العلم ولذلك يستدلّ بإحكام الفعل وإتقانه على علم فاعله . الثامن : ومنشئهم بحكمه : أي بحكمته وهو قريب من الَّذي قبله ، ويحتمل أن يريد حكم قدرته على الموجودات بالوجود . وهو ظاهر . وقوله : بلا اقتداء ولا تعليم . أي لم يكن إبداعه وإنشاءه للخلق على وجه اقتدائه بغيره ممن سبقه إلى ذلك ، ولا على وجه التعلَّم منه . والاقتداء أعمّ من التعلَّم . وقوله : ولا إصابة خطأ . أي لم يكن إنشاؤه للخلق أوّلا اتّفاقا على سبيل الاضطراب والخطأ من غير علم منه ثمّ علمه بعد ذلك فاستدرك فعله وأحكمه فأصاب وجه المصلحة فيه . والإضافة بمعنى اللام لما أنّ الإصابة من لواحق ذلك الخطأ . وبمثل هذا اعترض المتكلَّمون على أنفسهم حيث استدلَّوا على كونه تعالى عالما بكلّ معلوم فقالوا : إنّه تعالى علم بعض الأشياء لا من طريق أصلا لا من حسّ ولا نظر واستدلال فوجب أن يعلم سائرها كذلك لأنّه لا تخصيص ، ثمّ سألوا أنفسهم فقالوا : لم زعمتم ذلك ولم لا يجوز أن يكون قد فعل أفعاله مضطربة ثمّ أدركها فعلم كيفيّة صنعها بطريق كونه مدركا لها فأحكمها بعد اختلافها واضطرابها ثمّ أجابوا عن ذلك بأنّه لا بدّ أن يكون قبل ذلك عالما بمفرداتها من غير طريق فوجب أن يعلمها بأسرها كذلك لعدم التخصيص . وهذا الجواب فاسد لأنّ مفرداتها إن لم تكن من فعله كالأجزاء الَّتي لا يتجزّى على رأى المثبتين فليس كلامنا في علمه بها بل فيما كان من فعله ولا يلزم من العلم بمفردات الفعل العلم بالفعل ، وإن كانت من فعله فقولكم : لا بدّ أن يكون عالما بمفرداتها